سيد قطب
27
في ظلال القرآن
( 2 ) سورة البقرة مدنيّة وآياتها ستّ وثمانون ومائتان بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذه السورة من أوائل ما نزل من السور بعد الهجرة . وهي أطول سور القرآن على الإطلاق . والمرجح أن آياتها لم تنزل متوالية كلها حتى اكتملت قبل نزول آيات من سور أخرى ؛ فمراجعة أسباب نزول بعض آياتها وبعض الآيات من السور المدنية الأخرى - وإن تكن هذه الأسباب ليست قطعية الثبوت - تفيد أن السور المدنية الطوال لم تنزل آياتها كلها متوالية ؛ إنما كان يحدث أن تنزل آيات من سورة لاحقة قبل استكمال سورة سابقة نزلت مقدماتها ؛ وأن المعول عليه في ترتيب السور من حيث النزول هو سبق نزول أوائلها - لا جميعها - وفي هذه السورة آيات في أواخر ما نزل من القرآن كآيات الربا ، في حين أن الراجح أن مقدماتها كانت من أول ما نزل من القرآن في المدينة . فأما تجميع آيات كل سورة في السورة ، وترتيب هذه الآيات ، فهو توقيفي موحى به . . روى الترمذي - بإسناده - عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين ، وقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، ووضعتموها في السبع الطوال ؟ وما حملكم على ذلك ؟ فقال عثمان : كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - كان مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد ؛ فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب ، فيقول : ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا . وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن ؛ وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، وخشيت أنها منها ؛ وقبض رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ولم يبين لنا أنها منها . فمن أجل ذلك قرنت بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، ووضعتها في السبع الطوال . فهذه الرواية تبين أن ترتيب الآيات في كل سورة كان بتوقيف من رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وقد روى الشيخان عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال كان النبي - صلى اللّه عليه وسلم - أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل . وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي - صلى اللّه عليه وسلم - القرآن ، وفي رواية فيدارسه القرآن ، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة . ومن الثابت أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وقد قرأ القرآن كله على جبريل - عليه السلام - كما أن جبريل قد قرأه عليه . . ومعنى هذا أنهما قرآن مرتبة آياته في سوره . ومن ثم يلحظ من يعيش في ظلال القرآن أن لكل سورة من سوره شخصية مميزة ! شخصية لها روح